بابُ المُخْتارِ مِنْ حِكمِ أمِيرالمؤمنين عليه السلام
ومواعِظِهِ ويدْخُلُ في ذلِك المخُتارُ
مِنْ جْوِبةِ مسائِلِهِ
والْكلمِ القصير الخارج في سائِرِ غْراضِهِ
الصفحة 769
1. قال(عليه السلام): كُنْ فِي الْفِتْنةِ كابْنِ اللّبُونِ(1)، ل ظهْرٌ فيُرْكب، ول ضرْعٌ فيُحْلب.
والْجِهادُ مِنْها على رْبعِ شُعب: على الاْمْرِ بالْمعْرُوفِ، والنّهْي عنِ الْمُنكرِ، والصِّدْقِ فِي الْمواطِنِ(4)، وشنآنِ(5) الْفاسِقيِن: فمنْ مر
بِالْمعْرُوفِ شدّ ظُهُور الْمُؤمِنِين، ومنْ نهى عنِ الْمُنْكرِ رْغم أُنُوف الْمُنافِقِين،منْ صدق فِي الْمواطِنِ قضى ما عليْهِ، ومنْ شنِىء الْفاسِقِين وغضِب لله غضِب اللهُ لهُ ورْضاهُ يوْم الْقِيامةِ.
____________
1. غوْر العلم: سرّه وباطنه.
2. زُهْرة الحكم ـ بضم الزاي ـ أي: حُسْنه.
3. الشرائع ـ جمع شريعة ـ: أصلها مورد الشاربة، والمراد ـ هنا ـ الظاهر المستقيم من المذاهب، وصدرعنها أي: رجع عنها بعد ما اغترف ليفيض على الناس مما اغترف فيحسن حكمه.
35. وقال(عليه السلام): ل قُرْبة بِالنّوافِلِ(2) إِذا ضرّتْ بِالْفرائِضِ.
36. وقال(عليه السلام): لِسانُ الْعاقِلِ وراء قلْبِهِ، وقلْبُ الاْحْمقِ وراء لِسانِهِ.
و هذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أنّ العاقل لا يطلق لسانه إلاّ بعد مشاورة الرّوِيّةِ ومؤامرة الفكرة، والاحمق تسبق خذفاتُ(3) لسانه وفلتاتُ كلامه مراجعة فكره(4) ومماخضة رأيه(5)، فكأن لسان العاقل تابع لقلبه، وكأن قلب الاحمق تابع للسانه.
____________
1. السراب: ما يراه السائر الظمآن في الصحراء فيحسبه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
2. النوافِل: جمع نافلة، وهي ما يتطوع به من الاعمال الصالحات زيادة على الفرائض المكتوبة، والمراد أن المتطوّع بما لم يكتب عليه لا يقربه إلى الله تطوّعه إذا قصّر في أداء الواجب.
3. ورد في بعض النسخ: حذفات.
والخذف: القذف.
وحذفات اللسان: ما يلقيه الاحمق من العبارات العجلى بدون روية ولا تفكير.
4. مراجعة الفِكر أي: التروي فيما سبق به اللسان.
5. مُماخضة الرأي: تحريكه حتى يظهر زُبْده، وهو الصواب.
الصفحة 781
1. التافه: القليل.
37. وقد روي عنه(عليه السلام) هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله: قلبُ الاْحْمقِ فِي فِيهِ، ولِسانُ الْعاقِلِ فِي قلْبِهِ.
ومعناهما واحد.
38. وقال(عليه السلام) لبعض صحابه في علّة اعتلّها: جعل اللهُ ما كان مِنْ شكْواك حطّاً لِسيِّئاتِك، فإِنّ الْمرض ل جْر فِيهِ، ولكِنّهُ يحُطُّ السّيِّئاتِ، ويحُتُّها حتّ(1) الاْوْراقِ، وإِنّما الاْجْرُ فِي الْقوْلِ بِالّلسانِ، والْعملِ بِالاْيْدِي والاْقْدامِ، وإِنّ الله سُبْحانهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيّةِ والسّرِيرةِ الصّالِحةِ منْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ الْجنّة.
و أقول: صدق(عليه السلام)، «إنّ المرض لا أجر فيه»، لانه من قبيل ما يُستحقّ عليه العوض، لان العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد، من الالام والامراض، وما يجري مجرى ذلك،الاجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد، فبينهما فرق قد بينه(عليه السلام)، كما يقتضيه علمه الثاقب رأيه الصائب.
39. وقال(عليه السلام) في ذكر خباب بن الارتّ: يرْحمُ اللهُ خبّاباً، فلقدْ سْلم راغِباً، وهاجر طائِعاً، [وقنِع بالْكفافِ(2)، ورضِي عنِ اللهِ،] وعاش مُجاهِداً.
1. حتّ الورق عن الشجرة: قشْرُهُ، والصبر على العلّة: رجوع إلى الله واستسلام لقدره، وفي ذلك خروج اليه من جميع السيئات وتوبة منها، لهذا كان يحُتّ الذنوب.
2. الكفاف: العيش الوسط الذي يكفي الانسان حاجاته الاصلية.
الصفحة 782
40. وقال(عليه السلام): لوْ ضربْتُ خيْشُوم(1) الْمُؤْمِنِ بِسيْفِي هذا على نْ يُبْغِضنِي مبْغضنِي، ولوْ صببْتُ الدُّنْيا بِجمّاتِها(2) على الْمُنافِقِ على نْ يُحِبّنِي ما حبّنِي: وذلِك نّهُ قُضِي فانْقضى على لِسانِ النّبِيِّ الاُْمِّيِّ(عليه السلام) نّهُ قال: «[يا علِيُّ،] ل يُبْغِضُك مُؤْمِنٌ، ول يُحِبُّك مُنافِقٌ».
71. وقال(عليه السلام): إِنّ الاُْمُور إذا اشْتبهتْ اعْتُبِر آخِرُها بِوّلِها(2).
72. ومن خبر ضرار بن ضمُرة الضُّبابِيِّ عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أميرالمؤمنين(عليه السلام).
قال: فأشهدُ لقدْ ريْتُهُ في بعض مواقِفِهِ وقد أرخى الليلُ سُدُولهُ(3)، وهو قائمٌ في محرابِهِ قابِضٌ على لِحْيتِهِ يتملْملُ(4) تملْمُل السّليمِ(5) ويبكي بُكاء الحزينِ، ويقولُ:
يا دُنْيا يا دُنْيا، إِليْكِ عنِّي، بِي تعرّضْتِ(6)؟ مْ إِليّ تشوّقْتِ؟ ل حان
____________
1. نفسُ المرْء خُطاهُ إلى جلِه: كأن كلّ نفس يتنفسه الانسان خطوةٌ يقطعها إلى الاجل.
2. اعتبر آخرها بأولها: أي قيس، فعلى حسب البدايات تكون النهايات.
3. أرْخى سُدُوله: جمع سدِيل، وهو ما أسدل على الهوْدج، والمراد حجب ظلامه.
4. يتملْمل: لا يستقرّ من المرض كأنه على ملة، وهي الرماد الحارّ.
5. السليم: الملدوغ من حيّة ونحوها.
6. يعْرِض به ـ كتعرّضه ـ: تصدّى له وطلبه.
الصفحة 786
حِينُكِ(1)! هيْهات! غُرِّي غيْرِي، ل حاجة لِي فيِكِ، قدْ طلّقْتُكِ ثلثاً ل رجْعة فِيها! فعيْشُكِ قصِيرٌ، وخطرُكِ يسِيرٌ، وملُكِ حقِيرٌ.
83. وحكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر(عليهما السلام) نّه قال: كان فِي الاْرْضِ مانانِ مِنْ عذابِ اللهِ سُبْحانهُ، وقدْ رُفِع حدُهُما، فدُونكُمُ الاْخر فتمسّكُوا بِهِ:
مّا الاْمانُ الّذِي رُفِع فهُو رسُولُ اللهُ(صلى الله عليه وآله).
ومّا الاْمانُ الْباقِي فالاْسْتِغْفارْ، قال اللهُ عزّوجلّ: (وما كان اللهُ لِيُعذِّبهُمْ ونْت فِيهِمْ وما كان اللهُ مُعذِّبهُمْ وهُمْ يسْتغْفِرُون)
وهذا من محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط.
____________
1. بقِيّة السيف: هم الذين يبقون بعد الذين قتلوا في حفظ شرفهم ودفْعِ الضيْم عنهم وفضلوا الموت على الذلّ، فيكون الباقون شُرفاء نُجداء، فعددهم أبقىولدهم يكون أكثر، بخلاف الاذِلاّء، فإنّ مصيرهم إلى المحو والفناء.
2. مقاتِلُه: مواضع قتله.
3. جلد الغلام: صبره على القتال.
4. مشْهد الغلام: إيقاعه بالاعداء.
الصفحة 789
84. وقال(عليه السلام): منْ صْلح ما بيْنهُ وبيْن اللهِ صْلح اللهُ ما بيْنهُ وبيْن النّاسِ، ومنْ صْلح مْر آخِرتِهِ صْلح اللهُ لهُ مْر دُنْياهُ، ومنْ كان لهُ مِنْ نفْسِهِ واعِظٌ كان عليْهِ مِن اللهِ حافِظٌ.
1. الغِرّة ـ بالكسر ـ: الغفلة، واسْتلبتْهُ: أي سلبتْهُ وذهبت به عن رُشْدِه.
2. أفاد المال: استفاده.
3. الفاقة: الفقر.
4. جهده: عْياه وأتعبه.
5. كظّتْهُ أي: كربته وآلمته.
6. البِطْنة ـ بالكسر ـ: امتلاء البطن حتى يضيق النفس.
7. النُمْرُقةُ ـ بضم فسكون فضم ففتح ـ: الوِسادة; وآل البيت أشبه بها للاستناد إليهم في أمورالدين، كما يستند إلى الوسادة لراحة الظهر واطمئنان الاعضاء،وصفها بالوسطى لاتصال سائر النمارق بها، فكأن الكل يعتمد عليها إما مبشارة أو بواسطة ما بجانبه، وآل البيت على الصراط الوسط العدل، يلحق بهم من قصر، ويرجع إليهم من غلا وتجاوز.